خمسة وأربعون عاماً، أو ما يقرب من هذا مضى منذ أن فارق الحياة د. عبد الجبار عبد الله، الرئيس الأسبق لجامعة بغداد. ومع أن أحداثاً كبيرة مرت على البلاد منذ ذلك الحين، الا أن خسارة الشعب العراقي بفقد هذ الأبن البار، ظلت تؤرق الذين يغارون على تقدم العراق، ويتلمسون الدرب الذي رسمه للنهوض بالعلم والتعليم العالي فيه. وتتضح الخسارة بفقده اليوم بعد أن باتت الحاجة اليه والى امثاله أكثر من أي وقت مضى.

ليس من الهيّن، ان يلم المرء بكل حياة هذا الرجل الجليل وعطائه العلمي الثر الذي خلفه وراءه والذي لايزال ينير السبيل للذين ساروا على دربه من الباحثين والعلماء في ميدان علم الأنواء الجوية والأعاصير بوجه خاص، في البلدان المتقدمة لاسيما في الولايات المتحدة الأمريكية، والكثير مما بذله للنهوض بالعلم والتعليم العالي في العراق، الا ان شذرات من هذه الحياة الحافلة يمكن ان يتلمسها المرء فيما خلف من أعمال وأبحاث ورسائل وخطب وما أليها.

ومع ذلك، فلكي يلم الجيل الراهن والأجيال القادمة بحياة هذا العالم الفذ، تظل الحاجة قائمة لتجميع هذا التراث الكبير، ونحن نعتقد أن هناك ضرورة لتجميع أبحاثه ونظرياته في ميدان الأعاصير الجوية، والأنواء عامة، في مؤلف واحد يوضع في متناول المؤسسات العلمية والباحثين في هذا الشأن. كذلك نعتقد أن هناك ضرورة قصوى لتجميع خطبه ورسائله وأبحاثه للنهوض بالعلم والتعليم العالي في العراق في مؤلف يوضع تحت تصرف المعنيين بالتعليم والراغبين في تطويره. ونحسب أن خير من يؤدي هاتين المهمتين هما وزارة العلوم والتكنولوجيا أو وزارة التعليم العالي أو جامعة بغداد أو الثلاثة معا. بل ربما نكون مغالين حقا لو قلنا، أن هناك حاجة ملحة لعقد مؤتمر علمي في أحد هذه المؤسسات لدراسة الدور الذي نهض به، والذي كان ينوي تحقيقه للارتقاء بالعلم والتعليم العالي في العراق، استنادا الى الأثار التي خلفها وهي كثيرة. أن الأمانة تقضي كما يقول الأمين العام الأسبق لجامعة بغداد د. سعدي الدبوني:

" أن يطلع جمهور المهتمين بالعلم والثقافة والمعرفة، خاصة العراقيين منهم أن هناك عالماً ضربت جذوره عميقاً في وادي الرافدين الى آلاف السنين، رجلاً وفياً لكل المعاني القيمة العلمية والحضارية والفكرية في هذا الوادي، العراق .
فاذا شئنا ان نتعرف قليلاً على دنيا هذا الرجل الفذ، فأن الحقيقة التي يلزمنا أن نقولها أولاً وقبل كل شيء أن هذا الرجل الذي قدم كل ما يستطيع من مواهب ومعارف وطاقات للبلاد التي أنجبته، لم يلق ما يستحقه من جزاء. وحتى حين أدرك الحكام أخيراً، أن لهذا الرجل حقاً أن يوفي جرى كل شيء على استحياء، وليس بملء الفم كما يقال." د. سعدي الدبوني

لعل هناك وشيجة صاغها القدر بين حياة وأبداع هذا العالم، ونزوع العراق الحديث نحو التقدم والارتقاء، استعادة دوره الريادي في مسيرة الحضارة والتقدم العلمي. ومن يتابع مسيرة حياته يلمس أن هناك ترابطاً بين هذه وتلك. أذ هو يطور قدراته العلمية ونشاطه التربوي في وقت تشرع فيه البلاد في السير نحو النهوض والترقي. وتماما حين تنضج أرادة الشعب في الأقدام على نزع الأغلال التي تعيق تقدمه، ويعلن ثورته في الـ 14 من تموز 1958، يكون هذا الرجل قد خطا خطوات كبيرة في مضمار العلم والتعليم وغدا مؤهلاً لأن يشغل المركز القيادي في عملية الارتقاء بالتعليم العالي وتأسيس الجامعة العراقية الأولى. وهكذا يكون هذا الرجل والقدر على موعد.

وتماماً، حين تنتكس مسيرة البلاد في شباط 1963 يزاح هذا الرجل عن رئاسة الجامعة ويساق الى السجون، ويرغم على هجرة البلاد بعدها، تاركاً المسيرة الجامعية تتخبط دون ان تجد من يقودها بحكمة ردحاً طويلاً من الزمن وربما حتى الآن.

أن القوى السوداء التي عصفت بالبلاد منذ أن أغتصب حزب البعث الحكم في شباط 1963 غاضها أن يقبض رجل لا يملك سوى علمه وخصاله الحميدة ودماثة خلقه واخلاصه لشعبه ووطنه، على زمام واحدة من أكبر المهمات في مسيرة البلاد. لذلك صبت عليه حقدها الأسود، ودفعت به الى غياهب السجون دون أن تملك، ولو دليلاً واحداً يبرر لها ما المركز الوطني للبحث الجوية في بولدر كولورادوأقدمت عليه، حتى اضطرت في آخر الأمر أن تخلي سبيله بعد أن سدت في وجهه سبل العيش، فأضطر الى مغادرة البلاد، لتتلقفه مراكز البحث العلمي الكبرى في الولايات المتحدة، وتضع تحت تصرفه عديداً من الكفاءات العلمية وتفسح له في المجال ليبدع في الميادين التي اختصت بها حتى ذراها وهنا يجدر بالذكر أن الولايات المتحدة الأمريكية وضعت تحت أمرته في المركز الوطني للأبحاث الجوية في بولدر كولرادو عديداً من العلماء البارزين في ميدان اختصاصه وقدمت له منحة بمبلغ 600 الف دولارا (أي ما يعادل اليوم قيمة ستة ملايين دولار) لإجراء سلسلة من الدراسات حول امكانية السيطرة او تغيير الطقس. يا للمفارقة!!! البعث الفاشي يطبق عليه في سجن عسكري في معسكر الرشيد، وأمريكا تضعه على رأس مركز أبحاث علمية متقدمة.

ولعل المرء يدرك أي حقدٍ أسود كان يكنه له شباطيو 63 حين يكتشف انهم لم يكتفوا بأرغامه على ترك البلاد، بل سعوا الى محو آثاره حيث وجدت. يقول د. ستار نوري العبودي، الذي وضع كتاباً عنه أنه ظل يبحث عن الوثائق الخاصة به في كل مؤسسة او دائرة مر بها، فلم يجد له أي ذكر. فلا مديرية التقاعد العامة احتفظت له بصحيفة. ولم يجد له اثراً في ملفات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ولا في كلية التربية التي درس فيها طويلاً ولافي رئاسة جامعة بغداد التي ترأسها لأربع سنوات ولافي دوائر الأحوال المدنية في بغداد ولا في الثانويات التي درس فيها وخلت من ذكره حتى ملفات مديرية الأمن العامة!!! وباتت جهود المؤلف في هذا السبيل غير ذات جدوى، حتى جعلته يفكر أن يداً خفية تعمدت إخفاء كلما يتعلق به... فأي حقد اسود هذا؟

ولكن ليطمئن هذا المؤرخ الفاضل ان الذين يحتفظون لهذا الأنسان الجليل بالذكريات الطيبة وبالوثائق التي تدلل على نبله كثيرون، ونحن هنا نورد بعض منها وإذا شاءت الدوائر التي اقترحناها لتجمع آثاره فنحن (عائلته) على استعداد للتعاون معها.

يقول هو فيما دونه في بعض أوراقه: انه ولد في قلعة صالح لواء العمارة سابقاً ومحافظة ميسان حاليا في 14 تشرين الثاني 1911. وانه نال شهادة البكالوريوس بامتياز من الجامعة الأمريكية في بيروت بالرياضيات عام 1934. وانه درّس الفيزياء والرياضيات في المتوسطة الشرقية في بغداد ثم في ثانوية العمارة. وبعدها اشغل وظيفة معاون مدير الأنواء الجوية في مطار البصرة في الفترة ما بين 1937-1941. في تلك الفترة شرع يكتب الى المجلات الثقافية التي تصدر في العراق، لتبسيط النظريات الفيزيائية كالنسبية وغيرها. ومنذ عام 1941 وحتى نهاية العام الدراسي لسنة 1943 أنتقل للتدريس في الثانوية المركزية في بغداد، وكانت يومها اهم و أكبر الثانويات في البلاد. وفي 1943 التحق بزمالة دراسية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ( MIT ) الشهيرة في الولايات المتحدة لينال منها شهادة دكتوراه علوم في الثاني من تشرين أول 1944. ونذكر هنا ان شهادة دكتورا علوم (Sc.D.) هي أعلى من شهادة دكتورا فلسفة في العلوم المعهودة (Ph.D.) ومن جامعة ذات شهرة عالمية كبيرة وفي مدة لا تزيد عن 14 شهراً فقط. وكانت جديدة في موضوعها، وأثارت اهتماماً كبيراً في الأوساط العلمية.

hurricaneعالجت الأطروحة نظرية الأمواج الجوية، وناقشت بشمول تزايد طاقة هذه الأمواج بفعل سرعة مجموعتها، وما ينجم عن ذلك من أعاصير حلزونية مدارية (Hurricane) وهي اعاصير تحدث في خطوط العرض الاستوائية وتتميز برياح تدور حول نفسها بسرعة 75 ميلاً او أكثر بالساعة، وتحدث بفعل تأثيرات الطبقات الهوائية الباردة على الطبقات الأقل برودة ونشوء الأمواج. وقد عالج كل ذلك بمعادلات رياضية خاصة. ونذكر هنا ان اطروحته هذه جذبت انتباه العلماء في الولايات المتحدة، فأنتدب على أثرها للتدريس في جامعة MIT ذاتها. كما انتدب للمشاركة في الأبحاث التي كانت تجريها البحرية الأمريكية لتصميم اول غواصة نووية في الخمسينات من بعد .

ولكن برغم المغريات المالية والوظيفية عاد الى العراق ليدرس في عام 1949 في قسم الفيزياء في دار المعلمين العالية، ثم ليرأس هذا القسم. وظل يعمل في الكلية المذكورة حتى عام 1952 حين عاد الى الولايات المتحدة ليدرس في جامعة نيويورك حتى عام 1955 كأستاذ وباحث زائر. كان يعنيه يومها أن يظل على تواصل مع التطورات العلمية في أكثر البلدان تقدماً. لكنه عاد الى العراق بعدها ليرأس من جديد قسم الفيزياء في دار المعلمين العالية، حتى انتصار ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958.

وبعد الثورة عين اولاً كأمين عام للجامعة الأولى التي تكونت في العراق، جامعة بغداد، ثم ليصبح رئيسا لهذه الجامعة من عام 1959 حتى عام 1963، حيث حل شباط الدامي، فيدفع به، بقائد المسيرة الجامعية، العالم الكبير، الى السجون، ويحرم عليه الاتصال بالخارج، وكانت الدوائر العلمية تخشى أن يقضي عليه الحكام الفاشيون، وهذا ما نتبينه من رسالة منظمة العفو الدولية التي هربت اليه أو رسالة الفيلسوف البريطاني بيرتراند راسل ويومها حرم عليه حتى الاطلاع على المجلات العلمية. وبعدها يوفق الى تهريب رسالة الى زميل له من أساتذة جامعة نيويورك (Dr. Jim Miller) يتحدث فيها عما يعانيه والوضع الصعب الذي صار يحياه بعد اعتقاله، ومما يقوله فيها:

"أنه لا يستطيع ما يواجهه من رعب هو واصحابه في السجن ويكفيه أن يكوّن له صورة عن فظاعة هذا السجن مما تتحدث به المؤلفات التي وضعت عن فظاعات النازية في المانيا...العنف يسود في كل مكان...ولا أحد منا يعرف ما يخبؤه له الغد".

Letter to Dr. Jim Miller

لا يتسع المجال هنا للحديث عن الإنجازات العلمية لهذا العالم الجليل، فهي كثيرة، ومعروفة لدى العلماء المختصين، وكانت مجلة الأنواء الجوية الأمريكية، تحيل اليه أبحاث العلماء الأخرين لتقييمها وتقرير صلاحيتها للنشر وعدمه. وتنشر ما يقوله فيها في أمكنة بارزة. وتكتب هذه المجلة وهي تنعيه في التاسع من تموز 1969 باسم جمعية الأنواء الجوية الأمريكية:

"أن معظم العلماء الأمريكيين على دراية بمساهماته المهمة في علم الأنواء الجوية في نهاية الأربعينيات ومطلع الخمسينيات في الـ MIT أولاً وفي جامعة نيويورك من بعد. وقد لاحظوا مساهماته الكثيرة في عام 1966 حين عاد الى الولايات المتحدة كعالم أقدم في برنامج الدراسات المتقدمة للمركز الوطني للأبحاث الجوية في بولدر كولورادو، ومن ثم كأستاذ للعلوم الجوية في جامعة ولاية نيويورك في ألبني، ومع ذلك فأن كثيرين من علماء الولايات المتحدة لم يطلعوا على جهوده التعليمية المتفانية في وطنه الأم-العراق".

The American Meteorological Society

وإذا كان العلماء في أمريكا لم يتيسر لهم التعرف على نشاط عبد الجبار عبد الله في العراق للنهوض بالعلم والتعليم العالي في هذا البلد، فان الأجيال التي تعاقبت منذ ان فارق الحياة تجهل فضل هذا العالم في هذا الميدان، وهل سارت الأمور هنا كما كان يرغب ويعمل؟

حين عاد الى الوطن في عام 1944 وهو يحمل شهادة دكتوراه علوم، عين أولاً كأستاذ في دار المعلمين العالية، التي صارت تعرف من بعد باسم كلية التربية، وأبن الهيثم أخيراً. ومن يومها صار قطب النشاطات العلمية فيها. بادر أولاً الى تكوين جمعية العلوم الرياضية والفيزياوية فيها. وسارع الى تشجيع زملائه في الكليات الأخرى الى تكوين جمعيات مماثلة في الميادين التي تعنى بها وخلق روابط للتعاون فيما بين هذه الجمعيات. وكان من ثمرات هذا التعاون أصدرا مجلة علمية مشتركة أطلق عليها بالإنجليزية اسم (Proceedings of Iraqi Scientific Society). وكانت تصدر بالغات الأوربية الحديثة، مع خلاصة للأبحاث العربية. ووضع للنشر فيها قواعد خاصة على غرار ما تفعل المجلات والجمعيات العلمية في البلدان المتقدمة، وذلل الصعوبات الفنية التي اعترضت طباعتها في مطابع غير متقدمة يوم ذاك. وقد حظيت المجلة باهتمام المؤسسات العلمية في أمريكا وأوربا. وظلت المجلة تواصل صدورها حتى حل شباط الأسود عام 1963.

وأقنع زملاءه من أساتذة الكليات الى تنظيم إقامة المؤتمرات العلمية على مستوى عال. وكان فاتحة هذا النشاط، محاضرة القاها هو في قاعة دار المعلمين الابتدائية في الأعظمية، وكانت بعنوان: سنة 1957-1958 أو السنة الدولية للجيوفيزيكا. (يجد القارئ الكريم نصها في موقع آخر من هذا الموقع). وكما يرى القارئ أنه جمع فيها بلغة بليغة كثيراً من الحقائق العلمية الهامة التي ينبغي ان ينتبه لها المعنيون بالعلم في العراق مع طرائف من الأدب العالمي. ولايزال المعنيون بالعلم يذكرونها منذ ان ألقيت في عام 1956.

ولعل اللجان العلمية العديدة التي اختير ليكون عضواً فيها تدلنا على النشاط الواسع والمتنوع لرجل العلم هذا، أذ اختير الى عضوية اللجنة الوطنية لليونيسكو 1956، ولجنة العلوم في وزارة المعارف، والمجلس الاستشاري للعلوم البحرية 1956، ونائب رئيس لجنة الطاقة الذرية العراقية (1963-1957)، ولجنة معادلة الشهادات (1955-1952)، ولجنة الكتب ترجمة وتأليفا (1958-1955)، وعضوية المجلس التأسيس لجامعة بغداد (1958-1957). وأهتم بتأسيس مختبر مركزي للجامعة حتى قبل أن تتأسس هذه الجامعة.

ورغم انصرافه الى الاهتمام بطلبته والنشاطات العلمية المنوعة التي أشرنا اليها، لم يقطع روابطه مع مراكز العلم في الخارج، وكان يحضر المؤتمرات العلمية في العالم، وعاد الى الولايات المتحدة ليعمل كأستاذ زائر في جامعة نيويورك من عام 1952 ولغاية عام 1954، ثم كأستاذ باحث زائر في الجامعة ذاتها في العام التالي.

ويعلق د. متي عقراوي في رسالة بعث بها من ليبيا الى د. عبد الجبار عبد الله والذي عين بعد 14 تموز 1958 كأمين عام للجامعة الوليدة التي تكونت بعد 14 تموز ورئيس لها بالوكالة، رداً على رسالة د. عبد الجبار عبد الله

"انا مطمئن أن جامعة بغداد الآن في أيد امينة تسهر عليها، وأعتقد مخلصاً ان قولكم بكتابكم بأن الحمل ثقيل عليكم وأنتم تعتبرون أنفسكم وكيلاً عني ريثما نعود ما هو الا تواضع منكم ومظهر آخر من مظاهر حسن طويتكم وصفاء نيتكم وسمو خلقكم. وعندما بلغني وانا في أوربا خبر تعيينكم لوكالة الرئاسة، قلت لمن كان بجانبي ان الحكومة وجدت الشخص الأحسن في العراق، الذي يستطيع المضي بمشروع الجامعة على أسس سليمة. فقد أعطتني السنة الماضية الفرصة لمعرفة تفكيركم العلمي، وتجردكم وحرصكم على العمل، ورزانتكم. فلا تبخسوا أذن أنفسكم حقها " د. متي عقراوي -

كان عبد الجبار عبد الله بعيد النظر وواسع المطامح ذا فكر صقلته التجارب العلمية في أرقى الجامعات، وكان يدرك انه يتعامل مع مسألة خطيرة سيكون لها أثر عظيم في تطور بلد غني بثرواته العلمية وشعب عريق بأمجاده وتراثه العلمي، وينطلق بثورة عارمة، تذلل أمامه اشد المصاعب.

AJ Abdullah Speechلذلك عزم على النهوض بالجامعة والتعليم العالي على أسس رصينة تستجيب الى حاجة البلاد وتقدمها. ولهذا سعى الى تنظيم ما دعاه بالإنتاج العلمي على أسس بعيدة عن المزايدات. كان لا يأبه للتوسع غير المدروس الذي يرضي الرغبات الدعائية. وفكر في أنشاء ثلاث او أربع جامعات تتمتع بالتقاليد الأكاديمية، ويشيع فيها ما دعاه بالعرف الجامعي المتين، جامعات تخدم العلم عن طريق ممارسة العلم وتتماشى مع حاجات البلاد الى التطور، تتوفر لها مكتبات البحث الضرورية والمختبرات المتطورة والباحثون المتدربون على البحث العلمي المتمكنون منه، وتتمتع بالعلاقات المتينة مع الجامعات العلمية المتطورة ومراكز البحث فيها، قابلة للتطور والتوسع بما يتفق وحاجات التطور في البلاد، وبعيدا عن الضجيج الإعلامي، وكان لذلك يعارض التوسع في التعليم الجامعي غير الرصين. والى جانب هذه الجامعات تقوم المعاهد التكنولوجية العالية التي توفر حاجة البلاد الى التقنيين المتطورين. وهو ما يتعارض مع الخط الأفقي في التوسع الذي سار عليه الحاكمون من بعد في التوسع بالتعليم الجامعي.

ويحضرنا هنا الاستشهاد بنظريته الاستراتيجية الى التقدم العلمي الذي ينشده بالمثال التالي، لمواجهة مشكلة الغبار الذي تتعرض له بغداد ومدن الوسط، اذ كان الضجيج يدور حول انشاء الحزام الأخضر حول بغداد لصيانتها من الزوابع الترابية في الربيع والصيف، وهكذا جرت الأمور وأمتد الحزام الأخضر دون جدوى. لكنه وحده كان يعارض ذلك، ودعا الى العمل في مراكز البحث لتطوير بذور اعشاب برية قابلة لتحمل الجفاف الشديد والتملح ونثرها بالطائرات في أراضي العراق حول بغداد وغيرها، ومن خلال تطوير الأبحاث العلمية، وبذا يمكن تطوير المراعي الطليقة والتخلص من الزوابع الترابية.

ووفقاً للخط الذي رسمه في التوسع بالتعليم الجامعي سعى الى انشاء نواتات لجامعات أخرى بالبلاد وكانت خطته في هذا الشأن تأسيس كليات متقدمة في عدة مدن تصبح قاعدة للتوسع في التعليم الجامعي وتغدو جامعة راسخة بعد سنوات. على هذا الأساس انشأت كلية للطب في الموصل، ورتب نقل أساتذة طب من بغداد ذات التجربة الطويلة ذهاباً واياباً الى الموصل ليلقوا محاضراتهم في الكلية الوليدة وكان يزور هذه الكلية بين الحين والآخر ويتفقد ما يحتاجه وتطورت هذه الكلية بالفعل ونشأت الى جوارها كليات أخرى في الفروع العلمية التي تحتاجها المنطقة وتحولت جميعا الى جامعة الموصل. وذات الشيء فعله في البصرة واقام فيها كليتي الادارة والهندسة لتصبحا من بعد جامعة البصرة. وكان يرى من الممكن تطوير الدراسات الإسلامية في النجف لتغدو نواة جامعة حديثة هناك. وعلى هذا الأساس رتب الاعتراف بالشهادة التي تمنحها كلية الفقه. وفي ذات الوقت كان ينوي تأسيس جامعة كردية في السليمانية واقترح لهذا الشأن الشروع لفتح كلية للمعلمين في السليمانية. الا ان عبد الكريم قاسم رفض المشروع تماشياً مع سياسته التي سار عليها في التعامل مع الأكراد. الى جوار هذه النواتات الجامعية التي انشاءها ووفقا للخطة التي كان يرسمها للتوسع في التعليم العالي، أنشأ عددا من معاهد الاختصاص الملحقة بجامعة بغداد، كمعهد ادارة الأعمال والمعهد التكنولوجي ومعهد الغابات، وانشاء المجلس الأعلى للبحوث العلمية، واقر بنظام الماجيستير في كلية الآداب، وبنظام متحف التاريخ الطبيعي، وبأنشاء مختبرات علمية في كل من صلاح الدين ومختبر للعلوم البحرية في الفاو. وكان يخطط للنهوض بجامعة بغداد والبحث العلمي فيها. وركز لهذا الغرض على تنظيم المكتبة المركزية والتعجيل بأنشاء المختبر المركزي وتزويده بالمعدات العلمية الحديثة، وعقد مؤتمرات علمية سنوية وجعلها احداثاً وطنية هامة، كان يحرص على افتتاحها بخطب باتت موضع اهتمام المجتمع ومفكريه بشكل عام، وصار يضرب بها المثل بعمقها وبلاغتها وبما كان يستشهد فيها من حكم الفلاسفة والعلماء العظام. وكان يعد الى فتح الى دراسات في الدكتوراه في بعض الفروع وانشاء عمادة خاصة للدراسات العليا، واتمام تصاميم ابنية الجامعة في الجادرية في بغداد.

ودرس بعمق وضع جامعة بغداد وما كانت تعانيه من مشاكل. ويعكس تقرير رفعه الى عبد الكريم قاسم، رئيس الوزراء في تاريخ 3 نسيان 1962 ما كانت تعانيه الجامعة، والسبيل الذي يلزمها ان تسلكه للنهوض وأن تغدو مؤسسة متطورة على غرار الجامعات المتقدمة في العالم. ويصارح رئيس الوزراء بأن الوضع ي الجامعة "ليس على ما يرام، بل هو بعيد عن درجة القبول والرضى" ويرجع الأمر الى أسباب طبيعية ورثتها الجامعة والكيفية التي ولدت فيها، من كليات سابقة كانت تتبع وزارات مختلفة وتطورت كل واحدة منها بمسار خاص. وأخرى نجمت من ثغرات في تشريع قانون الجامعة ذاته لحداثة التجربة، وثالثة لأسباب طارئة لم يحسب لها حساب. ويضع في مقدمة ما كانت تعانيه الجامعة من مشكلات الهيئة التدريسية، ويصارح بأن هذه الهيئة تعاني من وجود عناصر غير مؤهلة ورثتها الجامعة عن الأوضاع التي كانت تسود البلاد قبل الثورة. ودعا الى خطط رصينة لامتصاصها في ميادين العمل الوظيفي الأخرى بالتعاون مع الوزارات المختلفة.

وشدد على أهمية العناية بالجو الجامعي العلمي، وعلى الحرية الفكرية للأساتذة والطلبة والوقوف من الصراعات الحزبية بتجرد وبما يهدف الى تطوير الجامعة والحياة فيها وشيوع روح الأبداع والبحث العلمي والجدل المنطقي السليم وتربية الطلبة على الأسس الديموقراطية وغرس روح العزة والاعتماد على الذات واعتياد  }النظام والتفكير الهادئ الرصين. ودعا الى تعزيز وتطوير الأقسام الداخلية للطلبة.

لقد قطع التعليم الجامعي في العراق منذ ان فارق د. عبد الجبار عبد الله الحياة ما يقارب من نصف قرن مر خلالها بظروف صعبة للغاية املاها تسلط ديكتاتورية البعث الفظة على البلاد وتفشي المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العراق منذ ان أسقط نظام البعث... وكان نصيب التعليم الجامعي من هذا الانحدار المريع الشيء الكثير. ولعل في اتساعه دون دراسة وافية في مقدمة ما يعانيه هذا التعليم.

ان هناك اليوم حاجة ماسة الى إعادة النظر في تراث د. عبد الجبار عبد الله واستبيان خطه في تطوير التعليم الجامعي في البلاد بعناية كبيرة واستخلاص الدروس الضرورية من النهج الذي سار عليه في هذا الشأن. وربما يكون المؤتمر الذي اقترحناه لتمجيد هذه الشخصية العلمية الفذة، المناسبة المطلوبة لتأمل مسيرة التعليم الجامعي في العراق وتشذيبها مما لحق بها من معايب فرضتها الأوضاع غير المواتية التي مرت بالبلاد ولاتزال. أن أفضل ما يمجد به د. عبد الجبار عبد الله هو: الانتباه الى النهج الذي سلكه وما كان ينوي يفعله لأعلاء شأن العلم والتعليم العالي في العراق.


مراجع

1.  د. سعدي الدبوني،  ذكرياتي مع د. عبد الجبار عبد الله
2. د. ستار نوري العبودي، الدكتور عبد الجبار عبد الله سفير العراق العلمي، دار المرتضى للطباعة والنشر والتوزيع.
3. (USS Nautilus)
4. نص النعي  مساهمات د. عبد الجبار عبد الله العلمية (1911-1969)
5. صدر قانون تأسيس جامعة بغداد في تشرين اول 1957، وعين د. متي عقراوي رئيساً لها. لكنه أحيل على التقاعد بعد ثورة 14 تموز 1958، وكان د. عبد الجبار عبد الله وكيلاً لرئيس الجامعة وأمينها العام أثناء غياب د. عقراوي لسفره. فلما أحيل على التقاعد، عين د. عبد الجبار رئيساً لها
6. رسالة خاصة للدكتور متي عقراوي 

  • صور في لبنان
  • صور في العراق
  • صور في أمريكا
كان الدكتور عبد الجبار عبد الله طالباً في الجامعة الأميركية في بيروت بين 1930-1934 وعاد إلى لبنان عدة مرات في السنوات اللاحقة. أقراء المزيد
على الرغم من العديد من الرحلات، عاش الدكتور عبدالله معظم حياته في العراق. الصور هنا تمثل فترات زمنية مختلفة بما في ذلك من 1958-1963 عندما كان رئيسا لجامعة بغداد. أقراء المزيد
أمضى الدكتور عبد الجبار عبد الله عدة سنوات في الولايات المتحدة، ولاسيما بين 1944-1946 و 1947-1949 و 1952-1955 و 1965 حتى وفاته في عام 1969. أقراء المزيد

حقائق و مغالطات نسعى هنا لتبديد بعض المفاهيم الخاطئة

  • تاريخ ولادة الدكتور عبد الجبار عبد الله +

    تاريخ ولادة الدكتور عبد الجبار عبد الله

    هناك بعض الالتباس بشأن تاريخ ولادة الدكتور عبد الجبار عبد الله. فشهادة ميلاده العثمانيه تشير الى انه ولد في عام ١٩١١ دون تحديد اليوم او الشهر. وكذلك الحال في عدد من الوثائق الرسمية الاخرى. ولكن وفقا لتقديراته الخاصة المبنية على أساس ذكريات عائلته، يعتقد الدكتور عبد الجبار عبد الله أن تاريخ ولادته كان في ١٤ تشرين الثاني -نوفمبر- ١٩١٣.

  • الدكتور عبد الجبار عبد الله و العالم البرت اينشتاين +

    الدكتور عبد الجبار عبد الله و العالم البرت اينشتاين

    هناك اعتقاد خاطئ واسع النطاق بشأن علاقة الدكتور عبد الجبار عبد الله بالعالم الشهير البرت اينشتاين.  فلم تكن للدكتور عبد الجبار عبد الله اية علاقة مباشرة مع ألبرت أينشتاين.  اكمل الدكتور عبد الجبار عبد الله دراسة الدكتوراه في   فيزياء الانواء الجوية من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا تحت اشراف العالم برنارد هورويتز و لم يلتق بالعالم البرت اينشتاين اطلاقاً.

  • عبد الجبار عبد الله وقلم آينشتاين +

    عبد الجبار عبد الله وقلم آينشتاين

    هناك قصة ذات صلة بالنقطة السابقة تقول بأن آينشتاين كان قد اهدى الدكتور عبد الجبار عبد الله قلم سرق منه بعد اعتقاله من قبل البعثيين في عام ١٩٦٣. لا صحة لهذه القصة اطلاقاً.

     

  • الدكتور عبد الجبار عبد الله ووسام ترومان +

    الدكتور عبد الجبار عبد الله ووسام ترومان

    هناك ادعاء خاطئ يقول أن الرئيس الأمريكي ترومان قام بمنح الدكتور عبد الجبار عبدالله وسام العلم. لا صحة لهذا الادعاء و لا وجود اصلاً لمثل هذا الوسام في الولايات المتحدة.

  • كيف أعتقل د. عبد الجبار عبد الله؟ +

    كيف أعتقل د. عبد الجبار عبد الله؟

    هناك العديد من الروايات الخاطئة حول الطريقة التي تم القبض على الدكتور عبد الجبار عبد الله بعد الانقلاب البعثي في ​​عام ١٩٦٣. والحقيقة هي أن قافلة عسكرية وقفت امام بيته في صباح يوم ٩ شباط، فبراير. لم يدخل أحد منهم المنزل بينما كانوا ينتظرون في الشارع عند البوابة الخارجية. سمح له الاستعداد و خرج لهم بنفسه دون ان يمسكه أي شخص. هذا، بطبيعة الحال، لا يبرئ هذا النظام من سوء معاملته للدكتور عبد الجبار عبد الله في المعتقل

  • 1